أكبر التحديات التي تواجه الصين هي التشجيع على إنجاب المزيد من الأطفال
عقد على إنهاء «الطفل الواحد».. والصين تفشل في رفع معدلات الإنجاب
أحد أكبر التحديات الداخلية طويلة الأمد التي تواجه قادة الصين الآن هي تشجيع الشباب على إنجاب المزيد من الأطفال بعد عقودٍ من سياسات تحديد النسل الصارمة التي فرضتها الدولة والتي أثّرت سلباً في التركيبة السكانية.
يُصادف الأول من يناير مرور عشر سنوات على إلغاء الصين سياسة «الطفل الواحد»، بعد أن أدركت الحكومة أن انخفاض معدل المواليد يهدد بعرقلة نمو ثاني أكبر اقتصاد في العالم. لكن هذا التغيير التاريخي، ومجموعة من الإجراءات الأخرى لتشجيع الأزواج على إنجاب المزيد من الأطفال، لم تنجح في زيادة عدد السكان. وانخفض عدد سكان الصين لأربع سنوات على التوالي، فالارتفاع الطفيف في عدد المواليد في 2025 لم يكن كافياً لتجاوز عدد الوفيات.
يشكّل السكان من تجاوزوا الستين عاماً حالياً أكثر من 20% من سكان الصين البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة، وقد تصل نسبتهم إلى نصف السكان بحلول عام 2100، وفقاً لتوقعات الأمم المتحدة، وهو واقع ذو تداعيات بعيدة المدى، ليس فقط على اقتصاد الصين، بل أيضاً على طموحاتها في منافسة الولايات المتحدة كقوة عسكرية.
وقد أشار الرئيس الصيني، شي جين بينغ، إلى ضرورة «الأمن السكاني»، وجعل «تنمية سكان ذوي جودة عالية» أولوية وطنية، ويتوقع المحللون المزيد من السياسات أو الحوافز لدعم المواليد والزواج في العام المقبل. لكن كثيرين في الصين يرون أن رفع معدلات المواليد يتطلب معالجة قضايا جوهرية كارتفاع معدلات بطالة الشباب، وارتفاع تكاليف تربية الأطفال، وما يُنظر إليه على أنه عبء غير عادل يقع على عاتق النساء في تربية الأبناء.
ثم هناك الإرث المباشر لسياسة «الطفل الواحد»، التي خلفت في الصين خللاً في التوازن بين الجنسين، وجيلاً من الأطفال، بلا إخوة، يتحملون وحدهم مسؤولية رعاية الوالدين المسنين في بلدٍ لا تزال فيه شبكة الأمان الاجتماعي ضعيفة في كثير من المناطق.
قطرة في محيط
لعقود قمعت بكين الزيادة في المواليد بجهاز حكومي ضخم وقاسٍ يراقب المواطنين ويضغط عليهم لإنجاب عدد أقل من الأطفال، مستخدماً في ذلك حملات دعائية مكثّفة ومضايقات وغرامات باهظة، فضلاً عن عمليات الإجهاض والتعقيم القسرية. وكان الهدف من سياسة «الطفل الواحد»، التي سُنّت رسمياً عام 1980، هو كبح جماح النمو السكاني المتسارع في الصين، والذي خشي المسؤولون آنذاك من أنه قد يُهدد أي أمل في انتشال البلاد من الفقر.
تخشى السلطات الصينية الآن أن يشيخ سكانها قبل أن يشهدوا الازدهار، لذلك اتجهت نحو سياسة تشجيع الإنجاب، حيث يُروج للزواج والإنجاب باعتبارهما مفتاح مستقبل الأمة، ولتأكيد هذا التحول، بدأت البلاد من الأول من يناير كانون الثاني بفرض ضريبة القيمة المضافة على الواقيات الذكرية وغيرها من وسائل منع الحمل.
وقد جربت السلطات المحلية في السنوات الأخيرة مجموعة من الحوافز، بدءاً من الإعفاءات الضريبية والمساعدات المالية لشراء واستئجار المنازل، مروراً بالمساعدات النقدية، وصولاً إلى تمديد إجازة الأمومة. وخلال العام الماضي صرفت الحكومة الصينية مكافآت نقدية سنوية قدرها 3600 يوان (نحو 500 دولار أميركي) للأسر التي لديها أطفال دون سن الثالثة، وعدّلت القواعد لتبسيط إجراءات تسجيل الزواج، وأطلقت برنامجاً للتعليم ما قبل المدرسي الحكومي المجاني.
وكانت بكين قد أعلنت سابقاً نيتها إلغاء التكاليف المباشرة للولادة في المستشفيات بحلول عام 2026، ونشرت الشهر الماضي مسودة قانون لتحسين تنظيم خدمات رعاية الأطفال. لكن الكثيرين يرون أن المزايا المقدمة حتى الآن لا تُخفف إلا قليلاً من التكاليف الفعلية لتربية الأطفال في الصين، التي وجدت دراسة أجراها معهد يووا لأبحاث السكان في بكين عام 2024 أنها من أغلى الأماكن في العالم لتربية الأطفال.
اقتصاد متباطئ
بالنسبة للعديد من الشباب الصينيين، الذين بلغوا سن الرشد خلال جائحة كوفيد-19 وبعدها، فإنّ السياسات التي تشجّع على الزواج والإنجاب غير كافية في ظل معاناتهم لتأمين لقمة عيشهم. على الجانب الآخر، ترى العديد من الشابات ميزة في انخفاض معدل الزواج في الصين، إذ يُفضّلن التركيز على مسيرتهنّ المهنية ورفض الأعراف الراسخة التي تلزم المرأة بإدارة تعليم أطفالها في ظلّ النظام التعليمي الصيني شديد التنافسية.
سياسات زيادة المواليد
قال يانتشونغ هوانغ، الباحث البارز في مجال الصحة العالمية بمجلس العلاقات الخارجية، إن الأثر الاقتصادي لتقلص القوى العاملة وقاعدة المستهلكين في البلاد، والتكلفة المتوقعة لرعاية عدد متزايد من كبار السن، سيكون «عميقاً».وأضاف أن السياسات الرامية إلى زيادة المواليد حتى الآن «غير فعّالة في أحسن الأحوال»، ولم تعالج المشكلات الأساسية المتمثلة في ارتفاع تكاليف تربية الأطفال وضعف شبكة الضمان الاجتماعي.وقد اتخذت بكين خطوات لإصلاح نظام التقاعد، بما في ذلك رفع سن التقاعد تدريجياً.
في عهد الرئيس شي جين بينغ، تتجه البلاد أيضاً نحو حل آخر لمشكلة تناقص القوى العاملة: الاستعانة بالروبوتات لأتمتة المصانع. قد تساعد هذه الخطوات الاقتصاد على تجاوز التداعيات الديموغرافية، لكن لا يزال الخبراء متشككين في إمكانية رفع معدلات المواليد بشكل ملموس.
يقول ياو يانغ، عميد معهد دي شوي هو للتمويل المتقدم في جامعة شنغهاي للاقتصاد والمالية: «لو غيّرنا سياسة الطفل الواحد قبل عشرين عاماً، لكان الوضع أفضل بكثير، أما الآن فقد فات الأوان». ويضيف يانغ أن «انخفاض معدل المواليد على المدى الطويل، ولأسباب عديدة، لا رجعة فيه».